السيد كمال الحيدري
159
الإنسان بين الجبر والتفويض
لله ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم ، يعني كلّ حول فهو حوله ، وكلّ قوّة فهي قوّته ، فهو مع غاية عظمته وعلوّه ينزل منازل الأشياء ويفعل فعلها ، كما أنّه مع غاية تجرّده وتقدّسه لا يخلو منه أرض ولا سماء ، كما في قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ( الحديد : 4 ) . فإذا تحقّق هذا المقام ظهر أنّ نسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيح - كنسبة الوجود والسمع والبصر وسائر الحواسّ وصفاتها وأفعالها وانفعالاتها - من الوجه الذي بعينه يُنسب إليه . فكما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع ، منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز - وهو مع ذلك شأن من شؤون الحقّ الأوّل - فكذلك علمه وإرادته وحركته وسكونه وجميع ما يصدر عنه منسوب إليه بالحقيقة لا بالمجاز والكذب . فالإنسان فاعل لما يصدر عنه ، ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحقّ ، على الوجه الأعلى الأشرف اللائق بأحدية ذاته بلا شوب انفعال ونقص وتشبيه ومخالطة بالأجسام والأرجاس والأنجاس » « 1 » . ما يريده الشيرازي من هذا النصّ هو أنّ للفعل نسبتين حقيقيّتين كلتاهما مباشرة ، لا أنّ إحداهما مباشرة والأخرى بالتسبيب ؛ وفاقاً لنظرية الفاعل القريب والفاعل البعيد التي عكستها القراءة الأولى . وفق هذا التصوير تغدو كلا النسبتين حقيقيّتين وقريبتين وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ من دون واسطة . عند هذه النقطة يعقّب الطباطبائي على هذا التصوير الجديد للنظرية بقوله : « وعلى الثاني ( المذهب الثاني بحسب
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، مصدر سابق : ص 373 - 374 .